أحمد بن علي القلقشندي
64
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وتوقّ الزيادة فيها والنقص توقّي من يتمثّل المجازاة كأنه يراها . وهذا الثغر لمحلَّه وسموّ مقداره ، وقرب العدوّ منه ودنوّ داره ، لا يقنع له بمركزيّته ، ولا يكتفى في حقّه بمرابطيّته وقراريّته ؛ فنحن نسيّر إليه العساكر المظفّرة دفعتين في كل سنة على حكم البدل : فيرده عسكر جديد مزاح العلة ، كثيف العدّة ، وافر العدّة ، يؤثر أن يظهر أثره ، ويحافظ على ما يطيب به ذكره وخبره ؛ فبثّ السرايا وشنّ الغارات ، وضيّق على العدوّ فسيح النّواحي والجهات ، وجهّز إليه من يخيفه في مآمنه ، وابعث عليه من يطرقه في أحرز أماكنه ، واندب من يطالعك بخفيّ أخباره ، ويظهر لك باطن أموره ومستور أسراره : لتنتهز فيه الفرصة إذا لاحت مخايلها ، وتبادر الغفلة منه إذا ظهرت دلائلها ، واجعل للمتطوعين من الكنانيّين نصيبا من ثواب الجهاد ، واحملهم على استفراغ الوسع بغاية الحرص والاجتهاد ، وافعل في هذا الباب ما تتضاعف به موادّ الأجر ، وتنتسخ به الأوزار كما ينتسخ الظلام بضياء الفجر ، واعضد متولَّي الحكم العزيز عضدا يعلي أمره ويشدّ أزره ، ويحرس نظامه ، وينفّذ قضاياه وأحكامه ، وكذلك متولَّي الدعوة الهادية - ثبتها اللَّه تعالى - فاعتمده بما يشرح صدره فيما يوضّحه للمؤمنين ، ويهدي به المستجيبين والمتديّنين ، ووفّر موفّر اهتمامك على مرافدة من يتولَّى أمر المال وما يجري في الخاصّ لتدرّ أخلافه ( 1 ) ، ويزكو ارتفاعه ، وتغزر مادّته ، ويتوفّر مستخرجه ، ويحتمي من خيانة وتحيّف ، ويسلم استيداؤه من تريّث وتوقّف ، واستنهض الرجال المستخدمين في الأمور السّوانح ، وصرّفهم فيما ترى تصريفهم عليه من أسباب المنافع والمصالح ، واستمطر الإحسان لمن أحمدت طريقته ، وقوّم بالتأديب من ذممت فعله وكرهت سيرته ، فاعلم هذا واعمل به ، وطالع بما يحتاج إلى المطالعة بمثله ، إن شاء اللَّه عز وجل . ومن المكتتب بالوظائف الديوانية من هذه المرتبة نسخة توقيع بنظر
--> ( 1 ) الأخلاف : مفردها خلف ؛ وهو حلمة الضّرع .